أراء ومقالاتالموقع

إيريني سعيد تكتب لـ«الموقع» حول المعارضة السياسية وأدبياتها  

لا تكتمل النظم السياسية بدون المعارضة، وهي التي تكسبها كافة صور الفاعلية والشرعية، ذلك إلى جانب الكثير من السمات والملامح والمميزة لهذه النظم الديمقراطية وأبرزها سيادة الدستور والقانون، استقلال السلطة القضائية، المشاركة السياسية، أضف أيضا التداول السلمي للسلطة وعدم تركزها، مع انتهاج الآليات السلمية والمشروعية السياسية، وربما تأتى المعارضة في مقدمة هذه الملامح، لما تشكًله من أدبيات وأصول كفيلة بحفظ هذه النظم عند المستوى المطلوب من الديمقراطية.

وبينما تعد هذه المعارضة ضمن أسس النظام السياسي، بالمقابل فإن غياب المعارضة قد يسهم بشكل أو آخر في تقويض هذه النظم وتخليها عن السمة الديمقراطية، وثمة عدة اعتبارات تحكم العلاقة فيما بين النظام والمعارضة، من شأن هذه الاعتبارات تنظيم العلاقة وإكسابها الأطر الإصلاحية ومفاهيمها المختلفة.

وتختلف إستراتيجيات المعارضة عن إستراتيجيات النظام الحاكم أو السلطة التنفيذية، فبينما تخطط الدولة لأهداف بعينها، تخطط المعارضة لأهداف أخرى، حيث تتحرك المعارضة ممثلة في القوى والهيئات سواء حزبية أو جمعيات أو اتحادات ونقابات، من أجل توجيه ومتابعة النظام السياسي مع مراقبة الأجهزة التنفيذية، كما تسعى أيضا لتصدر الأجهزة التشريعية والعمل على مراجعتها وإحاطتها بكافة الإخفاقات والثغرات، ولعل الأهم في أجندة المعارضة هي الانتقادات الموجهة للحكومة وأجهزتها، وكله بهدف تحقيق الصالح العام وخدمة المجتمع، وإن كانت تحاول من وقت لآخر الإمساك بالسلطة والوصول إليها، وقد تتراجع المعارضة عن أدوارها المتعارف إليها، من أجل المصالح الشخصية منتهجة الأساليب الفوضوية والنقد لأجل النقد دون رؤية أو قناعة بعينها، ذلك أن أهداف المعارضة وتوجهات، بإمكانها إبراز وتوضيح الاتجاهات الحقيقية والتي تنتويها المعارضة، سواء كانت المعارضة وطنية أو متسلقة ومتربصة.

وقد تتمكن المعارضة من تمثيل حلقة الوصل الحقيقية بين الجماهير وصناع القرار، والتعبير عن مطالبهم وآرائهم بالإضافة إلى ترتيب وتوضيح الأهداف، ومن ثم توجيه الأجهزة من أجل الصالح العام والمستهدفات المجتمعية على كافة المستويات سياسية واقتصادية وحتى اجتماعية، غير أن عدة من الإشكاليات قد تحيط بالمعارضة، وتفقدها إطارها الإصلاحي والرقابي، أهمها على الإطلاق عدم إدراكها لأوضاع البلاد ومراعاة ظروفها، فقدانها الرؤية والتوجه أيضا التنظيم، العجز عن تحديد المطالب، مع غياب الالتزام والمسؤولية، وربما يحلمون بالثورات فقط من أجل الثورات، وجميعها عوامل قد تسهم في اهتزاز صورتها وضياع ثقلها، حتى الجماهير لم تعد  تقبل بهذه النوعية من المعارضة وأدبياتها.

من الشق الأكاديمي أعلاه نتحرك إلى القياس على أرض الواقع، تحديدا عقب 25 يناير واندلاع الثورة، حيث لم يكن لدى المعارضة رؤية واضحة، ولم تتمكن من تحديد مطالبها، بل انتهجت العبارات المرسلة والشعارات، وبينما وجهت الانتقادات المتلاحقة، فشلت في صياغة الرؤى ووضع الحلول، بل بالأكثر فشلت في توحيد صفوفها، بالمقابل تمكنت جماعات أخرى من السيطرة على الحكم، بل وإزاحة المعارضة المصرية عن المشهد تماما، بالتالي الاندفاع نحو انتهاج المعارضة السياسية، لمجرد المعارضة دون أي رؤية أو تنظيم، قد يأتي بالنتائج العكسية، وربما يقود الأوضاع إلى ظروف من القهر والاستبداد أكثر قساوة مما كانت عليه.

انفتاح مصر على المعارضة السياسية جاء بنتائجه الإيجابية، سيما في دعوة الرئيس السيسي لها وسماع مطالبها، واعتبارها ضمن أهم أطراف الحوار الوطني، لكن ثمة مجموعة من الشروط على المعارضة مراعاتها من أجل الصالح العام، أبرزها الإدراك وامتلاك الرؤية، مع تحديد المصلحة المصرية كهدف رئيس، والأهم الأخذ في الحسبان مجهودات الدولة وتحركاتها الجادة من أجل مجابهة التحديات القائمة، وهو ما أتفق مع تصريحات الرئيس السيسي بخصوص قبول المعارضة وآرائها.

اقرأ ايضا للكاتب

 إيريني سعيد تكتب لـ«الموقع» Cop27.. التعهدات قيد التنفيذ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى